" في توصيف عباد الرحمن "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

" في توصيف عباد الرحمن "

مُساهمة  niesoo nie في الأربعاء يوليو 25, 2012 1:34 pm

من التوبة والإستغفار 26

التوصيف الحقيقي لعباد الرحمن وكيف نكون منهم؟

(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66))
صفات عباد الرحمن كثيرة لكن الآيات ذكرت في البداية المشي (يمشون على الأرض هوناً) فما دلالة البدء بصفة المشي ثم جاء بعدها التطبيقات في الآداب والسلوكيات والإيمان والاسلام؟

هذه وقفة المتدبر بحق في آيات القرآن، لكن ما ذكرته من حيث الوقع الإيماني أو الإسلام أو التقوى أو الإحسان بكل الدرجات كلها جاءت ضمنياً في كلمة (عباد) التي أنهت القضية كلها وجمعت حقيقة التلقي للقرآن وحقيقة العلاقة مع الله سبحانه وتعالى الخالق الأعظم. عندما نسمع القرآن يحصل حالة من حالات التلقي وهذا التلقي له مراحل من حيث الإدراك والوجدان والنزوع، وهذه قضية مهمة جداً أن نعرف كيف تحصل مع العباد والعبيد وحتى العباد مختلفين فيها. تخيل أن عشرة أشخاص جالسين في مكان وقُريء عليهم القرآن هل يمكن أن يقول أحد أن العشرة مثل بعضهم في التلقي؟ بالطبع لا لأن منهم من يسمع نصف سماع لأنه مشغول بقضية ما وآخر يتفرّغ كلياً ليسمع آيات الله ومنهم من يتفرغ لتطبيقها ومنهم من يتفرغ ليفهمها فكل واحد يتلقى بشكل مختلف عن الآخر، فالعباد مختلفين في التلقي عن العبيد لذا قلنا كلمة (وعباد الرحمن) وهاتين الكلمتين تحتاجان إلى شغل طويل لو اشتغلناهم على وقع التدبر. الكل عبيد والعباد خرجوا من مسألة العبودية إضطرارياً أو إجبارياً إلى العبودية بفهم صافٍ لله تعالى وإخلاص ورضى وقناعة لله تعالى لم يجبرهم أحد على الإسلام كاليهود والنصارى مثلاً لأنهم مجبرين وإنما نحن والحمد لله جئنا طائعين. قلنا أن مراحل العبادة: الإسلام، الإيمان، التقوى، الإحسان وإسلام الوجه لله تعالى كل مرحلة من هذه المراحل مختلفة عند الناس والذي يرضى الله تعالى عنه كلما يرقى في درجة أو في مرحلة لا يثبت عندها وإنما يحاول الصعود إلى الدرجة التالية فكل درجة فيها إرتحال، فيها بداية ونهاية كما ذكر r في مسألة القرآن "خيركم الحالّ المرتحل" لأن القرآن ليس فيه كلمة تفسّر لوحدها خارج سياقها وإنما هي مرتبطة بالآيات قبلها وبعدها وبالمفاهيم في السور المختلفة وهذه من عظمة هذا الكتاب.
لماذا كلمة عباد الرحمن؟ بحثت في القرآن فوجدت أن العبودية تمشي على الدرجات التي تكلمنا عنها: الإسلام، الإيمان، التقوى، الإحسان وإسلام الوجه لله، نسأل سؤالاً: عباد الرحمن أليس من التدبر أن أعرف أيُّ درجة هم؟ هل هم مؤمنين؟ متقين؟ أم محسنين؟ هل هم المؤمنون الذين وصفهم القرآن الكريم في آيات مختلفة وأفرد لهم سورة سماها سورة المؤمنون بدأها بـداية في منتهى الإبداع (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)). عباد الرحمن في سورة الفرقان بدأت صفاتهم بالمشي على الأرض هوناً والمؤمنون بدأت صفاتهم بالخشوع في الصلاة، وعند المؤمنين صفات قريبة من صفات عباد الرحمن فوصفهم الله تعالى في سورة المؤمنون (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)) ووصف عباد الرحمن في سورة الفرقان (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)) لأنه في سورة المؤمنون يوصّف المؤمن غير العبد الذي يمشي في حياته، هذا توصيف أدائي وهذا توصيف توقيعي. عباد الرحمن ليسوا منفصلين عن الدنيا عندما ترتقي في مراحل العبودية تتوقع أن هؤلاء لا يخطئوا لكنهم فقد يمروا باللغو لكن يمرون كراماً أما في سورة المؤمنون فهم يبعدون عن اللغو ويعرضون عنه لذا عليك أن تحاول أن لا تتعرض للغو في حياتك كلها سواء كنت لوحدك أو مع الناس ولكن أصبحت الحياة الآن مليئة باللغو والمؤمنون للأسف لا يُعرضون عنه. معرِضين أي أنهم يحاولون عدم الذهاب لأماكن الشبهات ويبدأون بإعراض العين وينتهون بإعراض القلب، لو رأيت وردة مجرد ما وقعت عينك عليها صار عندك إدراك ثم انتقلت من عينك إلى إدراكك إلى الوجدان وتمنيت لو كانت الوردة لك ثم تبدأ مرحلة النزوع تريد أن تمد يدك لتقطفها، بين الوجدان والنزوع العملية الإيمانية إذا كانت الوردة في حديقة غيري لا تكون من حقي وإذا أخذتها أكون سارقاً، في هذه المرحلة قد يحدث النزوع والذي يمنع النزوع العملية الإيمانية. الرؤية تنتقل من الإدراك إلى الوجدان إلى النزوع وبينهما العملية الإيمانية فإذا كانت حراماً يخرج عن حقيقة الإيمان وقد يحدث النزع ويمنعه من ذلك المسألة الإيمانية لذا قال تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) لأنهم بدأوا يطبقون لو قلت لهم يغضوا من أبصارهم وغضوا أبصارهم يكونوا متقين ساعة ما غضوا أبصارهم أولاً ثم يرتقون إلى مرتبة الإحسان. يجب أن نصل إلى وقع بديع في القرآن، الآيات مترابطة وليس صدفة أن قال تعالى (وعباد الرحمن).
* * *
(والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر) هم لم يصبحوا عباداً إلا لأنهم أسلموا ولم يشركوا لكن هذه قضية مهمة جداً يجب أن يعرضها القرآن لأنه لو أحد من عباد الرحمن أشرك يضيّع نفسه لو مات عليه، فإياك أن لا تكون في ولاية الله تعالى.
نثبت عدم تلقينا بوعي: في السابق كانوا يقولون "توكلت على الله وعليك" ثم لما حسّنوها وعدّلوها لم يضبطوها فقالوا "توكلت على الله ثم عليك" تعني أني متوكل على الله وعلى أحد آخر لأن (ثم) تفيد التراخي، لكن الأصل أن تقول توكلت على الله وأقصدك لتقوم لي بخدمة ولا تقول (ثم) لأنه لو كان لدينا تلقي بوعي نفهم الكلام. مع صفات عباد الرحمن ومع صفات المتقين يدخل قصة عدم الشرك (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر) أي أنهم يدعون إلهاً واحداً يتوكلوا عليه لوحده ليس معه أحد.

** **

من التوبة والإستغفار 28

سؤال: أول توصيف لعباد الرحمن هو المشي، فهل هناك دلالة خاصة للبدء بصفة المشي في توصيف عباد الرحمن (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (63) الفرقان)؟ كأن مشوارهم في الحياة يبتدئ بالمشي؟

الآيات ليست بالمعنى أو بلازم المعنى وإنما بالمعنى ولازم المعنى والمراد من المعنى. لو تكبر الإنسان لن يكون من عباد الرحمن. بدأ الله تعالى بوصف المشي (يمشون) ولم ننتبه إلى أن كلمة عباد الرحمن فيها وصف لذواتهم هم اختاروا أن يكونوا عباداً وليس عبيداً. كلمة (وعباد الرحمن) فيها وصف بدون أن نشعر، كلمة (يمشون) واضح أن فيها وصف لكننا لم ننتبه إلى الوصف الضمني في (عباد الرحمن). هل الكافر من عباد الرحمن؟ لا هو من العبيد وليس من العباد فيجب أن نفهم أولاً نحن كمسلمين ونحدد منهجاً لنا كمسلمين وإلا سنصطدم بواقع مؤلم جداً طلب عباد الرحمن من الله تعالى أن لا يقعوا فيه (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) الفرقان) فالذي لن يفيق ويضع نفسه في مصاف عباد الرحمن سيصطدم بواقع لا تبديل له ولا فرار منه. ومن هنا هذه الآية يجب أن تبدأ بحمد الله أن أبقانا على قيد الحياة حتى نفيق إلى توصيف أنفسنا، فكلمة عباد الرحمن فيها توصيف هم اختاروا وتنازلوا عن اختيار أعطاهم الله تعالى إياه، هذا الاختيار هو: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ (29) الكهف) ما أعظم هذا الإله؟ وما أعدله! هل يوجد حاكم في الدنيا يضع قانوناً أو منهجاً ثم يقول للناس هذا القانون ولكم حرية الإختيار؟ الذي اختار المولى أعطاه صفة الرحمن وأعطاه صفة العباد وليس العبيد.

* * *

(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) الفرقان)

الجاهل هذا بماذا سيتكلم؟ بمنطق مجافي للحق. لأن الحق لا يتعدد فعباد الرحمن عندهم الحق والجاهل ليس عنده فسيكون هناك مشكلة في الحوار فالمولى عز وجل يعلمك وأنت عبدٌ له عليك أن تتعامل بطريقة أعطاها الله لك وأمرك بها حتى تكون أنت في حد ذاتك كعبدٍ لله رسول. هذه الآيات يجب أن نتوقف عندها كلمة كلمة بالمعنى ولازم المعنى والمراد منها. فكلمة (سلاماً) في حد ذاتها كلمة، لوسألنا ما معنى سلاماً ستقول معناها قولاً هيناً وهذا ليس المعنى ولكن لازم المعنى، ما المراد منها؟ المراد هنا أن يكون الحوار بينك أنت كعبد للرحمن وبين الجاهل (الجاهل ليس الأمي)، فرق كبير بين الجاهل والأمي. الأمي لا يتعبني، وقد سبق وذكرنا معنى الأمية وقلنا أن الأمي هو الذي يكتب ولا يحسب إنما يقرأ لأن القراءة تكون عن سماع وليس عن كتابة. وأنت تكلم الأمي ليس عنده خلفية ولا عوامل تعليم فسيسمع كلامك ويأخذه أما الجاهل فهو يحتاج لمسح ما عنده ثم تدخِل ما عندك، لذا اختار تعالى كلمة (الجاهلون) في لغة الحوار، الذي يخاطب هو الجاهل ويعطيك عكس كل كلمة تقولها ويستهزئ بها، تقول له الحج يقول لك وثنية ولماذا تلفّ سبع مرات حول الكعبة ولماذا سبعة ولماذا تصلي ركعتين بعدها؟ ويسفّه كل ما تفعله، الصلاة، يقول لك أن المولى لا يحتاج لصلاتك

* * *
(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)

سلاماً ليست معنى ولا لازم معنى وإنما يجب أن تتحقق بشرح المراد: سلاماً أي لا تجرحهم ولا تحقّرهم وإنما توضح الحجة بالحُجة والحق بالحق بهوادة ولين ودون هجوم ولا خطأ لأن هذا هو المسلم وهذا هو منهجه وأدواته

* * *
عباد الرحمن لا يعلنون أنهم عباد الرحمن فالعبودية والعبادية مسألة بين الإنسان والمولى عز وجل.

** **

من حلقة الاستغفار

الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل استعرض في أواخر سورة الفرقان لأكبر الكبائر على وجه الإطلاق. الحق تبارك وتعالى يتكلم عن صفات عباد الرحمن الذين أسأل الله تعالى أن نصل جميعاً إلى أن نكون من عباد الرحمن. ويشرح الله تبارك وتعالى صفات عباد الرحمن ويصل إلى توصيف أرجو أن نتوقف عنده (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ (68)) هذه أكبر ثلاث كبائر وذكر تعالى (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)) الآيات بهذا التوصيف تضيّق الباب على المذنب وكأن الباب يغلق في وجهه. ثم يفتح الله تبارك وتعالى باب الأمل والرجاء والتوبة، الباب الذي لا يُغلق أبداً ما لم يغرغر العبد (إلا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70)) وذكر تعالى أنه لا يغفر هذه الكبائر وإنما يبدّل السيئات حسنات. يعني بهذا التوصيف يضع الله تبارك وتعالى معايير ثابتة وواضحة لمن أراد النجاة ولمن أراد المغفرة. فمهما ارتكب العبد من معاصي ولو بلغت ذنوبه عنان السماء ثم جاء إلى الله تبارك وتعالى يستغفره وتاب إليه قبله الله تعالى. فالله تبارك وتعالى يقبل التوبة فيبدل السيئات حسنات. وهذه فيها أكثر من رأي: منهم من يقول أن السيئات السابقة تبدل حسنات والرأي الآخر أنها المتوقع من سيئاته في حياته المستقبلية، فهو عندما يتوب يصبح على نمط الذين قال تعالى فيهم (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (30) النجم) فإذا حصل منه أية معصية من هذه فالله تعالى يبدلها حسنات.

بعد إستعراض أكبر الكبائر: الشِرك والقتل والزنا والعياذ بالله أغلق الباب بأن الذي يرتكب هذه المعاصي والسيئات سيخلد في النار (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)) ويلقى نارين لأنه كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) فمن المنطقي أن يكون لمن لم يخف مقام ربه ناران. ثم يضاعف له العذاب. الذي يرتكب المعاصي والسيئات ولا يرجع إلى الله لا يقفل في وجهه باب التوبة فمن رحمة الله تبارك وتعالى أنه بعد أن قال (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) قال (إلا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ).

** **

التوبة والإستغفار 31

قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)
ونعود للوراء قليلاً (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64))،
إذا كانوا يبيتون لربهم فيكون لما يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون أيضاً لربهم (لربهم) هنا ليست خاصة بالبيتوتة إنما هي توصيف حال، هم يبيتون لربهم ويشمون على الأرض هوناً لربهم وتعاملوا مع الجاهلين لربهم فتواضعوا لهم لأنه كلما يجهل الشخص المقابل كلما يزداد المسلم الذي تأسى بالرسول r حِلماً. عباد الرحمن يعملون كل شيء لله فإذن البيتوتة لله أيضاً، (لربهم) أي أنهم يعملون كل أفعالهم لله. يمكن أن تكون اللام في (لله) إلى (مع) فكأنهم يعيشون في معية الله تبارك وتعالى وهذا هدف ويعطي نتيجة جيدة فتخيل أنك تصلي لله وعلينا أن نجربها بركعتين لله، نحن لا نريد أن نبدأ الصلاة ونسرح حتى نسلّم ولم نشعر فيها إلا عند التسليم هذه لا تعني أني صليت. (اللام) في (لله)) تجعل كل عملك خالصاً لوجه الله تعالى وتكون أنت في معية الله تعالى. عندنا حديث بديع يقول فيه الحق سبحانه وتعالى عن عبده " وأنا معه إذا ذكرني فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي (إذا كنت في مجلس ليس لله فقال في نفسه سبحان اللخ والحمد ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وعلينا أن ننتبه إلى أن نفس العبد غير نفس الله تبارك وتعالى) وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ غير من ملئه (ولو تمكنت في مجلس أن تحوله إلى مجلس علم يذكرك الله تعالى تبارك وتعالى في ملأ غير منهم وهم الملائكة)، وإذا تقرب إليّ عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً- الذراع ضعف الشبر أي شبرين - والحديث كله في المضاعفة، وإذا تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً والباع ضعف الذراع، ذراعين، والأجمل: وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة. الهرولة أسرع يعني كلما تقدم عملاً لله، أي إذا بِتَّ الليل ساجداً لله فانظر بماذا يكافئك الله سبحانه وتعالى؟ هذا شمل الذكر في النفس وفيها تقرب شبر أو ذراع أو باع وأتيت الله ماشياً أو أتيته بكل ما فيك من جوارح، وكل عمل تعمله يتقرب إليه الله تعالى أكثر. لذا نقول للمشاهدين عليهم أن يجربوا بركعتين خالصين لوجه الله يركزون فيهما في قراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن وأفكر في الركوع فأسبح بكل قلبي: سبحان ربي العظيم ثلاثاً، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء وليدعو بما شاءوا من الأدعية لكن بكل اطمئنان ويفكروا في معناه حتى يخرج الكلام من القلب مروراً على اللسان من كل الوجدان والتدبر، بعد أن يسلم لماذا نقول سبحان ربي العظيم؟ لأن الرسول r أمرنا لما نزل قوله تعالى (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) الواقعة) هذا أمر إلهي أن نجعلها في ركوعنا. ولما نسجد (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) الفرقان) لماذا السجود قبل القيام؟ لأن سجداً هنا ليس سجود الصلاة وإنما إطلاق اللفظ بالمعنى اللغوي أي الخشوع والخضوع ولهذا الصلاة ترجمة لهذا الخشوع أنك لما تنزع لركعتي القيام فأنت سجدت قبل أن تركع وقبل أن تسجد قبل أن تقوم، هذا سجود توصيف وحالة، خشوعاً لله وخضوعاً لربهم. نحن نصلي القيام (سجداً) أي خضوعاً وخشوعاً لله تبارك وتعالى وإتباعاً لمحمد r لأنه r لما صلى وقام لله تبارك وتعالى صلى وقام بأمر من ربه ونهانا r عن قيام الليل كله وأمرنا أن نترك وقتاً للنوم (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) الذاريات) هناك وقت للهجوع لكنه قليلاً لذا ننظر في (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) هؤلاء صلّوا اتباعاً للرسول r والأمر للرسول r جاء في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) المزمل) ثم وصّف له (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4)) زد عليه واترك قليلاً للراحة لأنه يريد أن تكون صلاة الفجر مع الجماعة بتركيز لأن البعض قد يأتي لصلاة الصبح وهو نائم فلا يركز في صلاته وهذا غير مقبول لذا القرآن عمل لنا صيانة إحتمال لكل فعل، قُم بوعي وصلّ الصبح بوعي لذا عليك أن تهجع قليلاً. (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) السجدة) الذي يجعلهم يفيقون معرفة ذات الله وعندما تعرف الله تخافه ولما تخافه تعمل بحق هذا الخوف ثم تطمع فيه بوعي ولذا لما وصّف هؤلاء العباد وصفهم بعباد الرحمن ولم يقل عباد الله، (طمعاً) أنت تحتاج لصفة تخفف من حدة الخوف (خوفاً وطمعا) الخوف قد يقضي على البعض وهذا غير متصور في ذهن الناس لأن الناس ابتعدت عن الله. في بحث عن حالات الإكتئاب يقول أن كثيراً من حالات الاكتئاب عند المسلمين تأتي من الخوف من الله، ويخاف من ذنوبه والشيطان يسول له أن ذنوبه كثيرة وأن الله تعالى لن يغفر له فيكتئب ويخاف ويبتعد عن الناس ولا يتعامل معهم فكأن الشيطان ألغى له حالة (طمعاً) ويخرجه من معية الله تبارك وتعالى.

* * *

(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) الفرقان) هذه آية حاكمة، عباد الرحمن لا يطمئنوا برغم كل ما عملوه، ثم بعدها يقول (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ (68)). هذا توصيف القرآن وتوقيعه في منتهى الإبداع.

* * *
سؤال: ترتيب صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان، المشي ثم البيات لله سجداً وقياماً ثم فجأة ذكر دعاؤهم بصرفهم عن عذاب جهنم لأنهم لم يغتروا بعبادتهم ولم يطمئنوا حتى لا يوقعهم الشيطان ويعتقدوا أن العذاب ليس لهم، هؤلاء العباد يقولون أن عذاب جهنم كان غراماً والمعروف عند الناس أن الغرام هو الحب والإنسان لا يحب إلا الأشياء الجميلة ولا يأتي الغرام مع شيء سيء فكيف يستقيم هذا المنطق مع غرام النار؟ فالإنسان لو أحرقته شمعة يصرخ منها أياماً فما بالك بالنار؟

الناس عندما تسمع غراماً تفهم ما ذكرته في السؤال، علينا أن نفهم المعنى ولازم المعنى والمراد. إذا أحب إنساناً امرأة نقول أنه يحبها، إذا ذكرها دائماً في كل موضوع نقول يعشقها وهي حالة أعلى من الحب وجاء منها ما يفعله النجارون في الخشب إذا أرادوا توصيل قطعتي خشب يسموها عاشق ومعشوق فيجعل فراغات في إحدى القطع لتدخل فيها القطعة الثانية بحيث لا تنفك أبداً، عاشق ومعشوق أي لن يتركوا بعض. لما يبدأ الإنسان يحب يكون سرحاناً فيقال عنه أنه يحبّ، هيمان، الهيام أول درجات التعلق، بعد الهيام يحصل عملية ولع هذه كله في نطاق درجات الحب، ثم عشق يكرر ذكر التي يحبها في كل مكان، لو لم يفارقها نقول عنه غراماً. أخذ العرب هذه الكلمة وقالوا إذا كانت المداوة على الإتصال في الحب تسمى غراماً وإذا كان في مقابل الحب أي الكره يسمى الغريم فالغريم لا يغادر غريمه حتى تستمر المطالبة بالحق، يداوم على المطالبة كأنه ملاصق بغريمه لا يرضى أن يبعد عنه. فإذا أخذناها في الحب والكره، إذا كان غراماً يكون جالساً بمزاجه ويكون سعيداً ولا يريد أن يفارق لكن الغريم صحيح أنه لا يفارق غريمه لكن إذا جاء من يأخذ بحقه يترك غريمه, فالغريم قد يترك الشخص الذي يلازمه لكن في الغرام لا يفترقا. لذا استخدم القرآن لفظ الغرام لأنهم لن يتركوا بعض فالعلاقة بين الكفار والمشركين والنار علاقة ليس فيها مفارقة. الغريم قد يترك غريمه إذا جاء من يعطيه حقه لكن الغرام لن يترك الذي هو مغرم به. القرآن لا يختار لفظة فيها شك أبداً لذا اختار كلمة غرام. هذه تحتاج لوقفة واعية: عباد الرحمن قالوا (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) (إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) هل هذا كلامهم أو كلام الله عز وجل؟ وهنا خلاف كبير بين العلماء فالبعض قال أنه كلام عباد الرحمن والبعض قال هي كلام الله تعالى تعقيباً على كلامهم، يجب أن نفهم أن القرآن كله كلام الله تبارك وتعالى، لما نقول (والذين يقولون) عباد الرحمن لكن قبلها نقول: قال الله تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا)، (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) هذا قول عباد الرحمن لكن قبلها نقول: قال تعالى في كتابه (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ).
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) هل المنطق أن أقول (إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) أو أن يقولها الله تعالى؟
أنا لو كنت من عباد الرحمن لا أعرف توصيف النار والمنطق يقول أن هذه الآية كلام العليم بحالها الذي خلقها وهو أدرى بها مني وأنا كعبد من عباد الرحمن أخاف منها ولا أريد أن ألفظها ونحن للأسف الآن نشرب النار (بالسجائر والشيشة) والصحابة كانوا يرتعدون إذا سمعوا كلمة النار فقط. لذا علينا أن نذكر أن هذه الآيات قبل أن تكون وصفاً لعباد الرحمن هي من قبيل التحذير - وفي رأيي المتواضع - البشارة فمن أراد أن يكون من عباد الرحمن فهذه أوصافهم والذي سيكون منهم (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)) هنا حسنت مستقراً ولا يعرف وصف الجنة إلا الله تعالى وعندما وصفها الرسول r "فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" إذن (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) على الجنة كلام الله ومن باب أولى (إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) على النار كلام الله تعالى، (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ (45) ق).
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) أخذنا من كلمة الغرام هنا لازم معنى الغرام الذي هو الملازمة والدوام وعدم المفارقة ونأخذ كلام الرسول r في أول خطبة عندما جمع قومه فقال: " والله إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس كلهم ما كذبتكم ولو غششت الناس كلهم ما غششتكم والله لتموتن كما تنامون ولتبعثنّ كما تستيقظون وإنها إما جنة أبداً وإما نارٌ أبداً" غراماً لا تعني حب وعشق وهيام وإنما أخذنا لازم معنى الغرام أي عدم المفارقة والذي يدخل لا يخرج منها وأيّد ذلك قوله تعالى (إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) لو جلست فيها لحظة تكون ساءت مستقراً ولو بقيت فيها إقامة أبدية تكون ساءت مقاماً، هي ساءت من أول دقيقة فالمستقر سيء والمقام سيء.
* * *
عباد الرحمن فهموها (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) فهموا من القرآن أن عذابها ملازم ليس فيه مفارقة وقالوا هذا الكلام ليثبتوا أنهم من عباد الله وعباد الله سيدخلون الجنة، والمقابل لها أنهم ليسوا من عباد الشيطان أو عباد غير الله فيكون مصيرهم إلى النار
avatar
niesoo nie
 
 

البلد / الدوله : فلسطين
عدد المساهمات : 99
وسام التميز
تاريخ التسجيل : 17/09/2011
العمل : مشروع خاص

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى